أبو الليث السمرقندي

365

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

[ سورة النجم ( 53 ) : الآيات 33 إلى 42 ] أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى ( 33 ) وَأَعْطى قَلِيلاً وَأَكْدى ( 34 ) أَ عِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى ( 35 ) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى ( 36 ) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى ( 37 ) أَلاَّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ( 38 ) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى ( 39 ) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ( 40 ) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى ( 41 ) وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى ( 42 ) ثم قال : أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى يعني : أعرض عن الحق ، وهو الوليد بن المغيرة ، ومن كان في مثل حاله وَأَعْطى قَلِيلًا يعني : وأنفق قليلا من ماله وَأَكْدى يعني : هو أمسك عن النفقة . قال مقاتل : أنفق الوليد بن المغيرة على أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلم نفقة قليلة ، ثم انتهى عن ذلك . وقال القتبي : وَأَكْدى أصله من كديه الدكية وهي الصلابة فيها . فإذا بلغها الحافر ، يبس حفرها ، فقطع الحفرة . يعني : تركها . فقيل : لمن طلب شيئا ، ولم يدرك أخره ، وأعطى شيئا ، ولم يتم وأكدى . ثم قال عز وجل : أَ عِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى يعني : أعنده علم الآخرة فَهُوَ يَرى صنيعه . وقيل : يعلم ما في اللوح المحفوظ ، فيرى صنيعه . أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى يعني : ألم يخبر بما بيّن اللّه تعالى في صحف موسى . قال بعضهم : صُحُفِ مُوسى يعني : التوراة . وقال بعضهم : هو كتاب أنزل عليه قبل التوراة وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى يعني : في كتاب إبراهيم الَّذِي وَفَّى يعني : بلغ الرسالة . ويقال : وَفَّى بمعنى عمل ما أمر به . وذلك أن الوليد بن عقبة بن أبي معيط قال لعثمان : إنك تنفق مالك ، فعن قريب تفتقر . فقال عثمان : إن لي ذنوبا . فقال الوليد : ادفع إلى بعض المال حتى أدفع ذنوبك ، فدفع إليه ، فأنزل اللّه تعالى أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى يعني : ألم يبين اللّه تعالى في كتاب موسى ، وكتاب إبراهيم ، أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى لا تحمل نفس خطيئة نفس أخرى . ويقال : وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى يعني : بما ابتلاه اللّه تعالى بعشر كلمات . ويقال : بذبح الولد . ويقال : كان يصلي كل غداة أربع ركعات ، صلاة الضحى فسماه وفيا . ثم قال عز وجل : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى يعني : ليس للإنسان في الآخرة إلا ما عمل في الدنيا من خير أو شر وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى يعني : يرى ثواب عمله في الآخرة . قوله عز وجل : ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى يعني : يعطى ثوابه كاملا وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى يعني : إليه ينتهي أعمال العباد ، وإليه يرجع الخلق كلهم ، فهذا كله في مصحف موسى ، وإبراهيم .